الخميس، 27 أغسطس 2015


(( مصابيحُ الدُجى ))

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... وبعد :

 

فيقول الله سبحانه وتعالى : ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) [آل عمران:18] ، ففي هذه الآية استشهد الله سبحانه وتعالى بأولي العلم من خلقه على أجلِّ مشهود عليه وهو توحيده سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، وهذا يدل على فضل العلماء من وجوه كثيرة:

-        منها أنه تعالى استشهد بهم، ولم يستشهد بغيرهم من البشر.

-        ومنها أنه تعالى قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وتعالى.

-        ومنها أيضا أنّ مضمون هذه الشهادة تزكيتُهم وتعديلهم، فإن الله سبحانه وتعالى لا يُشهد من خلقه إلا العدول.

-        ومنها أنه سبحانه استشهد بهم على أجلِّ مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله ، ومعناه : لا معبود بحقٍ إلا الله .

فهذه الأوجه وغيرُها دالة على مكانة العلماء العلية وعظم قدْرهم عند الله سبحانه وتعالى.

فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، فالعلماء هم مصابيح الدنيا وأنوارها ، والعلماء هم أمان لأهل الأرض ، والعلماء هم قادة الإسلام وزوامل الأنام ..

فإذا نزلت نازلة بالمسلمين فمن لهم غير العلماء يكشفونها بنور الكتاب والسنة ، وإذا ادلهمّت الفتن والخطوب فمن لهم غير العلماء يطفئونها ويطمئِنون الناس بنور الوحيين ، وما هذه الفتن التي تمر بالمسلمين اليوم إلا دلالة واضحة على صدق ما بينه ووجهه علماؤنا ، فلو أخذ الناس بنصائحهم وتوجيهاتهم ورجعوا إليهم وسألوهم لسلِموا وكُفوا شرها ، ولكنهم تأثروا بدعايات وترهات الإعلام ومقولات دعاة الفتنة والضلالة ، فاللهم اكفنا شرهم ..

أيها القارئ العزيز :

إنّ من يستحق أن يطلق عليه لفظ العالم في هذا الزمن -وأقولها بكل صراحة- قليلٌ جداَ ، ولا أُبالغ إن قلت إنه نادر، وذلك أنّ للعالم صفات قد لا ينطبق كثيرٌ منها على أكثر من ينتسب إلى العلم اليوم ، وأكثر الناس اليوم خلَطوا بين العالِم والمتعالِم !! وبين داعي الحق وداعي الضلال !!

فليس العالم من كان فصيحاً بليغاً في خطبه، بليغاً في محاضراته، ونحو ذلك، وليس العالم من ألف كتاباً ، أو نشر مؤلفاً ، أو حقق مخطوطة أو أخرجها ؛ أو أصبح له متابعين كُثُر بالملايين أو بالآلاف في وسائل التواصل الاجتماعي المنتشره في زماننا ، أو خرج في الشاشات والقنوات والإذاعات ..

لأن وزْن العالم بهذه الأمور فحسب هو المترسب وللأسف في كثير من أذهان العامة، وبذلك انخدع العامة بالكثير من الفصحاء والكُتاب والمشهورين غير العلماء، فأصبحوا محل إعجابهم وأصبحوا قدواتهم !!

فالعالم حقا من تَوَلَّعَ بالعلم الشرعي، وألَمَّ بمجمل أحكام الكتاب والسنة، عارفاً بالناسخ والمنسوخ، و بالمطلق والمقيد، و بالمجمل والمفسر، واطلع أيضا على أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، وسار على ما سار عليه السلف الصالح في الاعتقاد والقول والعمل .

ولا ريب أن تحصيلهم لهذه الأحكام الشرعية قد استغرق وقتا طويلا، واستفرغ جهدا كبيرا، وأضافوا إلى ذلك أيضا عدم الانقطاع عن التعلم، فمن كان هذا حاله فهو العالم الذي يستحق هذا اللفظ الجليل، إذْ هو المبلغ لشرع الله تعالى, المُوَقِّع عنه سبحانه وتعالى, القائم لله عز وجل بالحُجَةِ على خلقه ولو قَلَّ كلامه ونَدُر، أو عُدِم تأليفه.

والعلم الحقيقي النافع هو الذي يؤخذ بملازمة العلماء الربانيين وحضور مجالسهم والنهل من معين علمهم الراسخ !!

وأستأذنك عزيزي القارئ بسيرة عالم من علماءِنا المعاصرين .. فأقول :

بلغ الثمانين من عمره ، عاش عشرات السنين يدرّس طلاب العلم ويوجههم ويفتي الناس ويجرد الكتب تلو الكتب شرحاً وتفصيلا وتبيينا ، عاش أكثر حياته متعلماً ومُعلماً للتوحيد والسنة ، قضى عمره في جهاد ومحنة مع أهل الشرك والضلال والبدع ، فهابَهُ أهل الضلال ودعاتها ، ما من أحد من أهل الضلال من جماعات أو أفراد إلا ورماهم بسهم من كنانته بالأدلة الدامغة من الكتاب والسنة ، إجاباته على الأسئلة قصيرةٌ مختصرة ولكنها تحمل معاني وفوائد كثيرة واضحة  ، وجواباً شافياً كافياً لمن سأل ، له مؤلفات متعددة في العقيدة والفقه والتفسير بجانب شروحه المنتشرة والكثيرة لكتب متنوعة ، في كل عام له مناشط علمية في المنطقة الغربية إلقاء للدروس وشرح للكتب وإفتاء للناس ودعوة للتوحيد والسنة ونشراً لمنهج السلف الذي عاش عليه وعاشت عليه هذه البلاد حكاماً ومحكومين – ثبتنا الله عليها وأماتنا عليها - ، لا أذكر يوماً جئته في مكتبه في دار الإفتاء إلا ووجدته يقرأ من كتاب أو يفتي للناس من مستفتين عنده أو مستفتين بالهاتف ، ولا أذكر أني خرجت معه من مسجده المُجاور لبيته إلا ويأتيه عاميّ يستفتيه أو طالب علم يتباحث معه في مسائل علمية حتى يصل لبيته ، تواضع وهيبة لم أجدها في أحد غيره ، لا تجد عنده تكلفا ولا تجد عنده هزل وترهات ، إن جالسته خرجت من عنده بفوائد ، وأخذتَ من سمته وهدوءه الهيبة والوقار ، عاداه الجهله وأهل الضلال وأتباعهم فصبر وثبت على ما هو عليه لأن الأصول والثوابت عنده راسخة –نحسبه كذلك- ..

وكيف لا يكون كذلك !!
 
من يغرف من الأصلين الراسخين الثابتين الكتاب والسنة ، زكّاه وأثنى عليه وأوصوا بالنهل منه علماء وأئمة قد رحلوا ..

وبعد هذا أظنك أيها القارئ قد عرفت من أقصد !!!

إنه سماحة الوالد العالم المجاهد الإمام / صالح بن فوزان الفوزان –أطال الله في عمره على طاعته وختم لنا وله بخاتمة السعادة والإحسان- ..

وقد ذكرت شيئاً من سيرته وخصَصته من بين سائر العلماء بِحُكمِ تتَلمُذي على يده ..

وإن مما يعتصر القلب عند رؤيته ويفتت الفؤاد عند مشاهدته ، أن ترى أبنائنا وشبابنا يبتعدون عن مجالسه –مجالس العلم والإيمان- ويتكدسون عند القصاصين وأنصاف المتعالمين وفي المخيمات الدعوية للحضور عند منشد أو ممثل أو داعية فتنة وضلال ، فواحسرةَ من ضيع وفرّط ، واستمع للطاعنين فيه وبعلمائنا الأكابر ، فإذا رأيت الرجل يطعن في علمائنا فهو رجل سوء فاحذره ولا تجالسه ..

يا شبابنا البدار البدار .. والهمة الهمة .. احضروا عند هذا العالِم والتفوا حول دروسه واستمعوا لتوجيهاته ونصائحه .. فالعمر يمضي والآجال محدودة .. ولن يعرف قدر هذا العالِم إلا من فرّط وضيّع .. كم من أناس تحسروا وبكوا بدل الدمع دم عندما فرطوا في مجالس العلماء السابقين الذين رحلوا وأقبلوا على ربهم .. ولا يرفع الإنسان في هذه الحياة الدنيا إلا بطاعته لربه والتزامه بسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وطلب العلم من عند أهله .. فالعلم يُنهل من أهله وهم العلماء الراسخين ..

 

هي خلجات تدور في صدري من قديم ، ونفثات خرجت من قلب مكلوم على حال شبابنا وواقعهم وبقيَ منها الشيء الكثير ، نصحاً ومحبةً وشفقةً وتوجيها ..

فسَطّرتُ هذه السطور وعنونتها بـ ( مصابيحُ الدُجى ) وأعني بهم العلماء ، وأتيت بمِثالٍ واحد لعالم فاضل وإمامٍ جليل ..

لعل الله أن ينفع بكاتبها وقارئها ، إن أُريدُ إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ..

وصلى الله وسلمّ على نبينا محمد خير الخلق وأشرف مخلوق وعلى صحبه الأخيار الشرفاء وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين ..






وكتبه /

عوض بن سلطان العتيبي

إمام مسجد بلال بن رباح - الرياض -

20 / 10 / 1436 هــ